بلدانيات عراقية
كربلاء في مدونات الرحالة والأعلام
سلمان هادي آل طعمة ـ كربلاء

كانت كربلاء وما تزال
محط أنظار العالم باعتبارها حاضرة أسلامية مقدسة ولدت مع استشهاد سيد الشهداء الأمام الحسين بن علي
عليهما السلام في العاشر من محرم الحرام سنة 61هـ /680م ، زارها العديد من الرحالة والسياح و
البلدانيين منذ القدم، ولاغرو فللرحالة
والبلدانيين إسهام كبير في التعريف ببلدان العالم الإسلامي من جهة،
وكذلك التعريف بالمعالم الحضارية والسياحية في البلدان الإسلامية من جهة
أخرى.
أن دراسة واقع الدول
النامية ومنها الدول الإسلامية على وجه الخصوص يتطلب جهداَ كبيراَ وخبرات علمية واسعة من أجل تدوين ما
يشاهدونه، وتقصي أوضاع البلاد العامة. ولاشك أن معظم هذه الرحلات قد وضعت بلغات
غير عربية تدخل في ذلك لغات الشرق كالتركية والهندية والفارسية ولغات الغرب
كالإنكليزية والفرنسية والروسية والألمانية والإيطالية وغيرها. ولم يقتصر الزائرون
لهذه المدينة التاريخية من علماء التاريخ والآثار والتاريخ والجغرافيا وأشياخ
الأدب والفن ورعاة العلوم والمعارف الذين قصروها أو أقاموا بها، وعرفوا بمرافقها، وكتبوا فصولا ممتعة عنها، لأنها مركز لالتقاء جميع المسلمين من
مختلف أرجاء العالم، وقد عانت
المدينة الكثير من الإهمال وجور الحكام في عصور مختلفة، وحوت مشاهداتهم تلك أحداثاَ مهمة مرت بها المدينة، ومعالم شاخصة،
وكان لابد من أن تخلدها الكتب الغربية والشرقية. وقد أسهب البعض من أولئك الرحالة في وصف الأماكن
المقدسة وصفاَ دقيقاَ لا غبار عليه،
وليس من شك أن ما دوّن عن هذه المدينة يشكل حلقة مهمة من حلقات تاريخها، فالأجانب والسياح قاطبة قدموا بذلك فكرة عن أحوال كربلاء
وطبائعهم، و سجلوا فيها انطباعاتهم عنها.
لا توجد دراسة شاملة ومتكاملة عن مدونات
الرحالة لمدينة كربلاء،
ومعظم الدراسات التي تناولت هذه المدونات، كانت على مستوى البلاد وبعض المحافظات ومن ضمنها كربلاء، وعلى هذا جاء اختيار هذا الموضوع انطلاقا
من أهمية هذه الدراسة وشموليتها. ولقد تم تحديد ما كتبه الرحالة والأعلام
واستقصاء أخبار مآتم واقعة الطف، تلك المأساة الإنسانية الدامية التي أفجعت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، وما كان من مقتل الأمام الحسين بن علي عليه السلام.
وفيما يلي استعراض لمدونات الرحالة والسياح
والأعلام، رتبت حسب الزمن بدءا من
أقدمها، وهي كالآتي :
إبن بطوطة
زار كربلاء الرحالة ابن بطوطة الطنجي
سنة
726هـ /1326م فوصفها بقوله
: (وهي مدينة صغيرة تحفها حدائق
النخل ويسقيها ماء الفرات والروضة المقدسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة
وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والصادر وعلى باب الروضة الحجّاب والقوَمة لا يدخل
أحد إلا عن إذنهم فيقبل العتبة الشريفة وهي من الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل
الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحرير وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد زحيك
وأولاد فائز وبينهم القتال أبداَ وهم جميعا أمامية يرجعون إلى أب واحد ولأجل فتنتهم
تخربت هذه المدينة ثم سافرنا منها إلى بغداد
(1) .
تكسيرا
وصلت قافلة تكسيرا الرحالة البرتغالي إلى
كربلاء في الرابع والعشرين من أيلول سنة 1604م / 1013هـ، ومما يذكره في رحلته أنّ كربلاء (مشهد الحسين) تشتمل على أربعة آلاف بيت
معظمها من البيوت المتآكلة وأغلب سكانها من العرب والبعض منهم من الإيرانيين وكان الأتراك
يعينون للإشراف على المناطق بها. ويذكر أن أسواق كربلاء كانت مبنية بشكل متقن
بالطابوق ومشحونة بالحاجات والسلع التجارية،
لوفرة تردد الناس إليها من المدن والقرى القريبة، ويحكى أن السقاة الذين يقدمون الماء للناس كانوا يدورون بقِرَبهم
الجلدية الملأى بالماء، وهم يحملون طاسات النحاس المزكرشة ثم يشير إلى تيسر
الأرزاق ورخصها، وتوفر الحبوب والأغذية بكثرة كالحنطة والرز والشعير والخضروات
والفواكه و اللحوم وغيرها. وشاهد تكسيرا بنفسه الأعراب التابعين لـ (ناصر المهنا) يبيعون في وضح النهار عدة
أشياء منها : خيول،
أثاث، ملابس، وأسلحة أربعة وثلاثين تركياَ من موظفي
الحكومة العثمانية في كربلاء،
بعد أن قتلوهم وسلبوهم ما يملكون وهذا يبرهن على انعدام الأمن في ذلك الوقت حيث كان الأتراك في حرب ضروس
مع الايرانيين (2) .
ديللا فاليه
يقول الرحالة الإيطالي في رحلته التي قام
بها سنة 1616م / 1025هـ :
(لقد كنا في ذلك الموضع على مسافة نصف نهار سيراَ إلى
اليمين لنصل إلى (مشهد الحسين (أي موضع استشهاده في أرض كربلاء، وهو مدفون هناك،
والموضع مأهول بالسكان، وضريحه مزين وعليه بناء فخم على الطراز الإسلامي، وهو مكان مقدس يزوره المسلمون. عندما مررنا من هناك كانت كربلاء لاتزال تحت حكم القزلباش
الفرس فقد أخذوها من الأتراك مع أراضي منطقة بغداد بأجمعها وهي ليست بعيدة عنها.
توقفنا هناك، إذ علينا أن ندفع ضريبة للأمير ناصر بن المهنا شيخ تلك
البادية....الخ) (3) .
عباس المدني
قام هذا الرحالة بزيارة كربلاء سنة 1130هـ
/ 1717م فوصفها بقوله : (وقد
أقمت شهرين بمشهد مولاي الحسين،
بلدة من كل المكاره جُنّه كأنها روضة من رياض الجنة، نخيلها باسقات وماؤها عذب زلال من شط الفرات، وأقمارها مبدرة، وأنوارها مسفرة، ووجوه قطانها ضاحكة مستبشرة وقصورها كغرف الجنان مصنوعة، فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة،
وفواكهها مختلفة الألوان وأطيارها تسبّح الرحمن على الأغصان وبساتينها مشرقة بأنوار الورود والزهور وعرف ترابها كالمسك
ولونه كالكافور. وأهلها كرام أماثل ليس لهم في عصرهم مماثل، لم تلق فيهم غير عزيز جليل، ورئيس صاحب خلق وخُلق جميل، وعالم فاضل وماجد عادل،
يحبون الغريب ويصلون برهم وبُرهم بأوفر نصيب.....الخ (4) .
فيليب الكرملي
قصد الكرملي العراق سنة 1629م / 1039هـ وفي
أثناء وجوده في العراق زار أطلال بابل ومنها توجه إلى كربلاء
ووصف أهل هذه المدينة المقدسة بالطيبة والشجاعة وقال إنهم بكوا عندما سمعوا سقوط
مسجد مكة وعم الحزن أرجاء كربلاء وراح أهلها يبكون متصورين قرب قيام الساعة. ووصف
أهل كربلاء بشدة التمسك بأهداب الدين الإسلامي وقال إنهم استعدوا لشهر رمضان بأن
بعثوا أوانيهم النحاسية إلى المبيض لتبييضها وشرعوا بتجهيز بيوتهم بما يلزم من
سكر وشاي ورز وطحين وحبوب ثم صعد المؤذن قبل صلاة العشاء للترحيب بشهر رمضان قبل
حلوله بأيام و قرأوا آيات قرآنية وذكر أنهم يتفاءلون لدى مشاهدتهم الحيات خلال
السفر لأنهم يعتقدون أن اسم الحية مشتق من الحياة والبقاء وما شابه (5) .
نيبور
زار الرحالة الألماني كارستن نيبور وذلك في سنة 1765م / 1179هـ بعد أن
أستغرق في قطع المسافة بينها وبين الحلة حوالي سبع ساعات على ظهور الدواب. وعقد (نيبور) مقارنة بين كربلاء والنجف فلاحظ أن مشهد الحسين أكثر من ناحيتي النخيل
والسكان، غير أن بيوتها لم تكن
متينة البنيان لأنها كانت تبنى باللبن غير المشوي، كانت كربلاء محاطة بأسوار من اللبن المجفف بالشمس، وكان عدد أسوارها خمسة،
غير أنه لاحظ أن أسوارها كانت متهدمة أيامئذ....الخ (6 (.
اوليفيه
زار كربلاء سنة 1799م / 1209هـ فقال
: (ليس مشهد علي المدينة الوحيدة التي يقصدها الزوار
للحج، إذ أنهم يقصدون أيضاَ مشهد الحسين أو الأمام الحسين (رض) حيث يوجد قبر الحسين بن علي الذي قتل مع عدد كبير من أقاربه وأصحابه في واقعة كربلاء، ومعلوم أن الحسين بعد وفاة معاوية قصد الكوفة مع مائة وخمسين شخصاَ وسائر آل بيته حيث
كان ينتظره أنصاره غير أن يزيد بن معاوية قد أرسل ضده ستة آلاف شخص قاتلوه فأستشهد
الحسين وسلاحه بيده، لأنه حارب حتى الرمق الأخير ضد هذا العدد الغفير من
المناوئين وأقيم له ضريح قريب من ميدان المعركة،
وعلى هذا الضريح شيّد فيما بعد مسجد وتكونت حوله مدينة...الخ (7) .
أبو طالب خان
قام أبو طالب خان برحلة إلى كربلاء في اليوم
الرابع من ذي القعدة سنة 1218هـ الموافق لليوم الأول من مارت
سنة 1803م فقال : بعد أقامتي ببغداد ثمانية أيام استأنفت سفري لزيارة مشهد كربلاء
ومشهد النجف الأشرف وفي هذه المرة لم أُعلم الباشا بنيتي وخطتي فاكتريت خفية خيلاَ
وبغالاَ من حوذي واتفقت معه على أن يرافقني في جميع الطريق وسافرت بلطف فائق. ولقيت
حفاوة من كل من لاقاني في أي موضع كنت من طريقي وابتهجت بلقيا قاضي كربلاء ملا عثمان
وكان عائداَ إلى كربلاء وكان رجلاَ سنيّاَ ولكنه كان قد تفقه وتثقف وتعلم علماَ
جليلاَ وكان بريئا من أوهام الأحكام التي يحكم بها الطغام قبل الاستعلام وظهر
لي أنه سرّ سروراَ عظيما بلقائي ورجا مني أن أكون رفيقه في السفر. وفي الطريق من
بغداد إلى النجف رأيت بين كل ثمانية أميال خانات مسافرين مبينة بالآجر تشبه
حصوناَ، ولكنها يندر أن يقيم فيها المسافرون. وفي اليوم الأول سرنا أربعين ميلاَ
وقضينا الليل في خان المزراقجي ثم وصلنا إلى كربلاء في نحو الساعة الثالثة من اليوم
التالي ونزلت في دار السيد حمزة وكنت عرفت أبن أخيه في مقصود آباد في البنغال وكنت
أرجي أن أراه ثانية بكربلاء ولكنه توفي قبل وصولي إليها بعدة أشهر، ومع ذلك فقد استقبلني أبواه استقبالاَ حسناَ وأعاناني على أتمام مختلف مناسك
الزيارة، وتلقاني حاكم كربلاء أمين
أغا بكثير من الأدب ودعاني مرتين إلى التغذي معه وأعد لي خيلاَ لأسافر
إلى النجف ورغب في دفع كرائها ولما كان ذلك يحرمني ثواب الزيارة
ولم أقبل قط هذا البذل. ولقيت في كربلاء عمتي (كربلائي بكم) وعدة نساء من توابعها، وكان شقاء أسرتنا قد أضطرهن إلى اعتزال العالم فجئن يقضين أيامهن الباقية في
الأرض المقدسة، وأن هذا اللقاء غير المنتظر سرني أعظم السرور، أن الوهابيين كانوا قد سلبوا منهن ما
يملكن وقد أعنتهن بجميع ما أستطيعه إذ ذاك من العون المالي...الخ (8) .
المنشئ البغدادي
وقصد كربلاء المنشئ البغدادي سنة 1237هـ /
1822م فوصفها قائلاَ : من قرى بغداد قصبة كربلاء وفيها خمسة آلاف بيت، وهناك روضة الحسين عليه السلام، ومن بغداد إلى كربلاء 15 فرسخاَ، وفي الطريق قد بنيت خمسة خانات، ويبعد فرسخين خان الكهية والثاني يبعد عن بغداد أربعة فراسخ وهو خان
ازاد، ويبعد ستة فراسخ عن بغداد خان البير أو خان النصف وبعد ثمانية فراسخ خان
المزراقجي وعشرة فراسخ المسيّب على جانب من الفرات وهناك نحو أربعمائة بيت ومنه يمر
من جسر ممدود على الفرات، فسار إلى كربلاء بمسافة خمسة فراسخ.
نهر الحسينية : ومن الفرات يشتق نهر يذهب
إلى كربلاء ويقال له نهر الحسينية وفي كربلاء ولمسافة أربعة فراسخ بساتين
تمرها مشهور بالجودة.
شفاثا : ومن كربلاء يسار إلى شفاثا ومن
كربلاء إليها ثمانية فراسخ، وهي بلدة تبلغ
نفوسها ألف بيت وفيها بساتين النخل والرمان بكثرة والماء فيها وافر (9)

فريزر
زار كربلاء الرحالة الاسكتلندي سنة 1834م /
1250هـ فقال ولاتزال كربلاء في حالة ثورة، فلم يستطع (اليرماز) والقتلة و السفهاء الذين يكونون عدداَ كبيراَ فيها من صد الجيش الذي جرده
الباشا عليهم فقط بل أصبحوا يهيمنون هيمنة تامة على البلدة كلها، بحيث لم يكن بوسع أحد أن يعصي لهم أمرا
أو يتحداهم من دون أن ينال جزاءه، وهم يذهبون في فسادهم وخلاعتهم حتى إلى حد أنهم حينما يعلمون أن أحد الزوار يصطحب معه زوجة جميلة
أو أختاَ حسناء يبعثون ليأتوا بها إليهم،
وحينما يرفض ذلك يعمدون إلى سرقتها منه بحيلة من الحيل أو إلى اغتصابها بالقوة،
وكثيرا ما كان يحدث هناك أن تفقد زوجات بعض الناس على هذه الشاكلة لمدة أسبوع أو أكثر فيعدن إلى أهلهن بعد ذلك بحالة يرثى
لها، فقد سمعت أحد الإيرانيين أنا بنفسي يتذمر من معاملة زوجته بهذه
الطريقة (10) .
بيرزين
زار كربلاء المستشرق والرحالة الروسي إيليا نيكولا
بيفيج بيريزين في منتصف 1843م/ 1259هـ،
وقال : كانت كربلاء قد أعلنت العصيان خلال حكم داود باشا وعلي باشا احتجاجا على ابتزاز الأتراك المستمرة لها بدفع
المزيد من الضرائب وغير ذلك مما عالجه المؤرخون بالتفصيل، كان يقود المدينة السيد إبراهيم
الزعفراني الذي قيل أنه حشد عشرة آلاف مقاتل، وأستطاع ثوار المدينة ضد الهجمات التي قام بها علي باشا ثم جرد محمد نجيب باشا جيشا لجباَ بقيادة كرد محمد
باشا حاصر كربلاء ثلاثة وعشرين يوماَ ضربها بالمدفعية واستباحها فترة من الوقت
وقتل من أبناء المدينة الألوف يتراوح عددهم مابين أربعة وعشرين ألفاَ...الخ (11) .
جيريكوف
زار الرحالة الروسي كربلاء سنة 1849م / 1266هـ
فقال : (في سنة 1849 مرَّ
زوار يبلغ عددهم الثلاثين ألف شخصاً عن طريق بغداد إلى كربلاء، ويبلغ في الأحوال الاعتيادية عددهم في السنة الواحدة حوالي العشرين ألف شخص
وينقلون في الغالب جثث موتاهم إلى كربلاء في فصل الشتاء، ويبلغ عدد التوابيت التي تستقبلها كربلاء الخمسة آلاف، وأحياناً تصل إلى العشرة آلاف في السنة الواحدة، وثمن النقل يبلغ قراناً واحدا ( 30 كوبيكا) عن خمسة توابيت (وهي ضريبة المرور ) ، ويطالب رئيس مركز الشرطة التركية للحجر الصحي بفحص التوابيت أحياناً، غير أن الفرس لا يرضون بهذا الأجراء بسبب التعصب المذهبي، وبالرغم من أن هذه الإجراءات هي موجهة ضد المهربين. أما أٌجرة الدفن في أسوار كربلاء والنجف فتبلغ حوالي
الألف قران، وهي تختلف بمدى بعد أو قرب مكان الدفن عند المسجد، أما في خارج المدينة فتصل أجرة الدفن إلى
المائة قران، فالحكومة
التركية هي التي تضع هذه التسعيرة،
وأما الملالي فلهم حصصهم الخاصة من النقود حيث يقبضون عن كل جثة مائة قران
في المدينة، وفي خارج المدينة تكون حصصهم عن كل جثة خمسة وعشرين قراناً، وهناك من يدفن في الصحراء على بعد ساعة عن المدينة، وإذا ما حدث أن نهب الحجاج في الطريق، ولم يكن باستطاعتهم دفع ثمن دفن الموتى الذين جلبوهم فيتم دفن هذه الجثث على
مسافة ثلاث أو أربع ساعات بعيداً عن المدينة
(12) .
لوفتس
في سنة 1853م / 1270هـ زار وليم كنت
لوفتس أحد علماء الإنكليز الآثاريين مدينة كربلاء خلال عاصفة من
الغبار المثار من خيول المستقبلين ووسائط نقلهم حتى نزلوا السراي حيث
أعلن الحاكم بأنه سيتشرف بتناول الطعام معهم بعد أن كان قدّم لهم القهوة وما
إليها، وكانت أطعمة الإفطار تتألف
من البلاو (الرز)
وقليل من الخضروات المطبوخة بمختلف الأشكال، وصحن صغير من اللحم، وكان
الطبيخ جميعه مطيباً بعصير الليمون ولكنه كان مشبعاً بأكثر مما يجب من السمن والشحم بحيث لا يمكن أن يستسيغه سوى الذين قتلهم
الجوع ومع ذلك فقد أفرغت الصحون كلها حينما امتدت الأيدي لها، وأنهيت الضيافة بتقديم قارورة من
العصير (الشربت (سرعان ما أدخلت فيها ملاعق الخشب ذات الأشكال الغريبة (13) .
أديب الملك
زار كربلاء الرحالة الإيراني عبد العلي
أديب الملك سنة 1273هـ / 1856م فكتب عنها بإسهاب، ونحن ننقل للقارئ بعض السطور، قال : من المسيب إلى كربلاء خمس فراسخ وهي محط رحال من يقصد كربلاء، مع بزوغ الشمس أزمعت الترحال من هناك إلى
كربلاء لابساً إحرام الطواف حول قبر حضرة أبي عبد الله الحسين (ع) متوكلاً ومعتمداً على الله. وعند منتصف الطريق وصلت إلى تل السلام و
أوصلت نفسي إلى ذلك التل، ولو أن النخيل المزروع حديثاً أو قديماً كان حائلاً عن
رؤيتي القبة والمنائر للحضرة المطهرة،
إلا إنني زرت من هناك ووضعت جبهتي في تراب ذلك التل الطاهر، ثم واصلت السير حتى وصلت إلى (خان العطيشي) فتغذيت على ضفاف نهر الحسينية وبعده واصلت السير. قبل الوصول إلى مدينة كربلاء بحدود الفرسخ
ونصف الفرسخ هناك البساتين الكثيفة وقبل الوصول إلى كربلاء بفرسخ واحد
توجد (القنطرة البيضاء) وبعد
العبور منها يتحقق أمل الوصول إلى كربلاء للزائرين، والزائرون يمرون طيلة المسيرة هذه بظلال النخيل الوارفة، وعندما تقع أنظارهم على ذلك الماء والنهر الجاري تتقاطر الدموع من عيونهم ويتأوهون لما لاقاه الحسين (ع) من منع ماء الفرات عنه. والخلاصة قبل الدخول إلى مدينة كربلاء استقبلني أحد الخدام
وكان المرشد والدليل لي لدى الدخول إلى المدينة من باب النجف سلّمنا ما كان
معنا من سلاح مقابل وصل بذلك، وذهبنا إلى دار
الحاج غلام علي الشماع القريبة من صحن العباس عليه السلام ونزلنا هناك فاستحممت عند الغروب وذهبت إلى الزيارة
بدلالة السيد درويش الذي هو من أحد الخدام المحترمين وقراء زيارة الأمام الشهيد (ع) ، فدخلت الحرم المطهر الحسيني المستشهد في سبيل الله ذلك الغريب المظلوم الذي
قطع رأسه من القفا إمام الخافقين أبو عبد الله الحسين (ع) وقبلت المرقد
المطهر.... (14) .
سيف الدولة
وممن قصد كربلاء سيف الدولة سلطان محمد بن فتح علي شاه
قاجار وذلك في سنة 1279هـ / 1862م قال : يستغرق المسير إلى كربلاء المقدسة أربع
ساعات، والطريق تمامه مزروع وأوله الطريق إلى كربلاء يبدأ من نهر الحسينية الذي يمر
بكربلاء ويجري فيها، وعليه جسر جيد من الطابوق يجب العبور عليه، والنهر- في كل الأحوال - يقع في الجانب
الأيسر، وقد تفرعت من نهر الحسينية أنهار كثيرة تروي بها
المزارع وجميعها تقع في الطريق وأن العبور عليها فيه ـ أحيانا ـ شيء من المصاعب. وفي الثلث الأول من الطريق هناك
تل ترابي يسمى (تل
السلام) ومنه تشاهد قبة الحضرة الحسينية المطهرة وفي الثلث الآخر من الطريق مقابل نخيل كربلاء وبساتينها يوجد (خان) وهو من أعمال المرحوم ركن الدولة بن المرحوم الخاقان. وقبل الوصول إلى
كربلاء مسافة عليك أن تعبر أيضاً على الجسر الكبير المنصوب على نهر الحسينية، والعشائر العربية منتشرة عبر الطريق...الخ
(15) .

جون أشر
زار كربلاء الرحالة البريطاني جون أشر
فوصلها عن طريق المسيب سنة 1864م /1281هـ عبر الفرات من خلال جسرها المصنوع من
الزوارق المتراصة وأعجب بالبساتين الممتدة على جانبي الحسينية، وقد شاهد عدداً من الكرود (التي سماها مكان رفع الماء) منصوبة على طول هذا الجدول من
الجانبين، فتح باب السور لقافلته رغم أنها وصلت بعد مغيب الشمس، ولاحظ أن أزقة المدينة المقدسة ضيقة تضيئ ظلمتها الفوانيس التي أرسلها ممثل السلطة
التركية لتحمل أمامه وقد استضافهم القائمقام في إحدى غرف داره وكانت غرفة مهملة
ولاحظ أن كربلاء مدينة مزدحمة بالزوار الذين يفدون لزيارة ضريح الأمام الحسين وهي تحفل
بالنشاط التجاري الملموس (16) .
عضد الملك
زار كربلاء الرحالة الإيراني عضد الملك
وذلك في سنة 1284هـ /1817م فوصفها قائلاً : أن مدينة كربلاء من جهة سكانها
ووسعتها ووفرة نعمها تمتاز على النجف الأشرف كثيراً، تحيط بالمدينة على بعد فرسخين أو فرسخ
ونصف بساتين كثيرة وفيها أنواع المزروعات وخاصة النخيل الكثير كما
توجد أشجار المركبات والرمان والتين والأعناب بكثرة جداً لا يمكن حصرها وأن نهر
الحسينية بعد ربع فرسخ عن نهر المسيب ينفصل عنه وينحدر إلى كربلاء...الخ (17) .
ناصر الدين شاه
زار كربلاء ناصر الدين شاه قاجار سنة 1287هـ / 1870م
فقال : ذهبت هذا اليوم إلى مقتل الحسين
(ع) بالقرب من حبيب بن
مظاهر، ونزلنا عبر سلالة (درجات) في موضع منخفض، وكان غرفة صغيرة مرصعة بالمرايا والنقوش، وكان عليها متولي وخادم ومن ذلك الموضع المنخفض كانت تفتح باب طويلة مرتفعة منصوبة على
سطح الأرض تفضي إلى مكان منخفض يقال إنه الموضع الذي ترحل فيه الحسين (ع) عن ظهر جواده ومشى على ركبتيه إلى موضع قبره الشريف...الخ (18) .
فوك
قدم فوك من الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1874م /1291هـ فزار كربلاء وقد صادف
وصوله مع بدء شهر رمضان فدهش لاهتمام الناس بظهور الهلال وأنبهر لازدحام الناس في
الأسواق لتجهيز بيوتهم ما يلزم من مواد تموينية وذكر أن المساجد فتحت أبوابها بشكل لافت
واتسعت حركة المدينة ووصف ليالي رمضان بأنها من أجمل ما رآه في العالم، ينشغل الناس ليلاً بالصلاة وتلاوة القرآن وقراءة الأدعية ثم القيام بالزيارات، إذ يكثر التزاور في رمضان وتعمل هذه
الزيارات عملها في معالجة بعض الأحقاد والضغائن وإعادة الصفاء إلى بعض النفوس
فلا ينتهي رمضان إلا ويكون قد زال كل شيء مما كان قد ترسب في النفوس من الضغائن
بسبب تلك الزيارات المتبادلة (19) .
ديولافوا
وصلت كربلاء الأديبة الفرنسية السيدة جان مكر ديولافوا سنة 1881م / 1299هـ وقالت
أن كربلاء مركز من مراكز الشيعة المهمة،
وهي تحفل بالمدارس الدينية الكبيرة التي يقضي فيها طلبة العلم عشرين عاماً أو أكثر من أجل الحصول على درجة علمية تؤهلهم
لقيادة الناس والإجابة على المعضلات التي تواجههم في شؤونهم الحياتية
والاجتماعية، ويبدو أن الليل أدرك
القافلة والمطر يتساقط عليها مابين الحلة وكربلاء فاضطرت إلى
النزول في قرية صغيرة تبعد عن الأهوار المحيطة بالطريق مسافة لا تزيد عن الكيلومترين
وهناك نزلت في خان صغير يحيط به مجموعة من الدكاكين والمنطقة مضاءة بفوانيس
نفطية، وذكر المرحوم جعفر الخليلي
أن هذا الخان كان يقع بين طويريج
(الهندية) وكربلاء...الخ (20) .
بير زاده
في عام 1305 هـ / 1887م وصل كربلاء الرحالة
الإيراني بير زادة فوصها بقوله : توجهنا إلى كربلاء، ومن المسيب إلى كربلاء يستغرق الوقت ست ساعات ومشينا في الطريق اليابسة بمحاذاة نهر الحسينية المتفرع من نهر
الفرات، وكانت الطرادات موجودة لنقل المسافرين من المسيب إلى كربلاء، على أية حال أجرنا طراده ب (24قران) وكان معنا الحاج أغا حسين وعلي قلي خان حربه ومهدي القزويني.
جلسنا جميعاً في تلك ألطراده متوجهين إلى كربلاء، وكان أربعه من الأعراب الذين لم يلبسوا اللباس الداخلي يقودون تلك الطرادة بالتعاون وبعد سبع ساعات وصلنا إلى
كربلاء المقدسة وكانت أطراف الحسينية معمورة بالبناء والزراعة وشاهدنا النخيل
المتناثر في كل مكان، كما شاهدنا البيوت والقرى العامرة. ولاحظنا الجواميس الكبيرة
القوية النشطة في نهر الحسينية وكان عددها 50 أو ثلاثين وهي نائمة في مياه
الحسينية ولم أجد في مكان آخر جواميس مثلها... ثم يقول : وكان الخان الذي نزلنا فيه يقع
في محلة (الجديدة) وكانت المسافة بعيدة من الصحن إلى ذلك الخان وبعد بقائنا
فيه ليلة واحدة وبعد التفحص عن منزل آخر انتقلنا إلى خان أغا سيد تقي دده بكتاشي
وكان قريب الصحن في الطابق العلوي منه وكان مستأجر الخان هو المشهدي صفر شيرازي وهو
رجل خدوم جيد الأخلاق فقرر لنا منزلاً جيداً...الخ (21) .
جون بيترز
زار كربلاء العالم ألآثاري الأمريكي سنة 1897م /1315هـ فقال : أن كربلاء تقع
على حافة السهل الرسوبي الخصب الذي يتصل بهضبة الجزيرة، ويبلغ عدد نفوسها حوالي ستين ألف نسمة
ويبدو أنها بلدة مزدهرة،
أما القسم الجديد منها الذي أُنشئ خارج السور القديم ففيه شوارع واسعة وأرصفة منتظمة بحيث تبدو كأنها مدينة أوربية مع أن
أسوارها مهدمة قديمة...الخ (22) .
نواب حميد يارجونك بهادر
زار كربلاء سنة 1907م /1325هـ فوصفها
قائلاً :
(المسافة بين بغداد وكربلاء قرابة ستين ميلاً وفيها أربع مراحل
حيث نستبدل البغال وصلنا كربلاء في الساعة العاشرة مساءً بعد مرحلة مضنية، وكان نقيب أشراف بغداد قد هيأ لنا بيتاً مكثنا فيه، وفي صباح اليوم التالي ذهبنا إلى (الدورغا) أي المرقد وصليّنا هناك.
مرقد الأمام الحسين محاط ببناء منيف فسيح مربع الشكل من كل جهة منه باب