سيرة و ذكريات

إنه الماضي، جئت لأدفنه...
حسين الموزاني
(ميزوبوتاميا (تفضل ان لا تنشر النصوص الادبية من شعر وقصة
لوجود ما يكفي من الصحف والمجلات المهتمة بهذا المجال . انها تفضل نشر أدب المذكرات والسيرة الذاتية المتعلقة مباشرة بزمان ومكان عراقيين. هذه
الخطوة غايتها تشجيع ادب
السيرة الذاتية والذكريات، لأنه شبه مغيب عن الابداع العراقي، مقارنة،
مثلا، بمصر. يبدو ان هنالك اسباب عديدة لهذا التهميش لادب السيرة، من اهمها عدم ارتياح
العراقي لروح المكاشفة والصراحة بالحديث عن ذاته، وميله الى التكتم والتعبير عن
مكنوناته وخصوصياته بصورة غير مباشرة من خلال الشعر والقصة والبحث. بل الاكثر
ايلاما، ان هذا التجنب للسيرة الذاتية ادى الى عدم الاهتمام بسير اعلام الوطن
ورموزه في الثقافة والدين والسياسة والاجتماع. فمثلا ان كل ما كتب عن "الحياة
الشخصية منذ الطفولة حتى الممات" للسياب وجواد سليم وعلي الوردي وبلند الحيدري
وفيصل الاول ومحمد باقر الصدر، لا يتعدى لكل منهم سوى صفحات معدودة تضم بعض
المعلومات العامة والمكررة. رغم الكم الكبير الذي كتب عنهم فانه تركز على نتاجاتهم
وعصرهم، اما حيواتهم الشخصية وتواريخهم كبشر ولدوا وعاشوا وعانوا وكافحوا واخطأوا
وغامروا، فأن هذا مغيب تماما! لم يفكر مثلا أي باحث عراقي، ممن اتخمونا ببحوثهم عن حيوات سارتر و
بودلير ولينين، ان يتعب نفسه ويزور المناطق التي عاش فيها السياب او ناظم الغزالي او مصطفى جواد
او عبد الله كوران، ويلتقي اهله واصحاب طفولته وشبابه لتسجيل ذكرياتهم
عنه!! ان هذا الجهل والتغييب لتواريخ رموز العراق هو جهل وتغيب لتاريخ العراق نفسه، وتاريخ
الهوية العراقية بصورة
ادق. اننا
بهذه المناسبة، نقترح تخصيص مركز في جامعة بغداد غايته التنسيق مع الكليات المعنية
من اجل الاشراف وتشجيع الطلبة للقيام بالبحوث الواقعية الارضية والدراسية لتسجيل سير اعلام الوطن، الاحياء منهم
والموتى.
نستضيف في عددنا الاول
( حسين الموزاني) وهو روائي عراقي مقيم في المانيا، وله روايات ومجموعات قصيصية بالعربية والالمانية. غادر العراق عام 1978،
وهذا النص هو السيرة اليومية لزيارته الاولى
الى بغداد بين 8 ـ 3 الى 27 ـ 3 ـ 2004 ، بعد غياب قسري دام 26 عاما.
بغداد! أخيرا بغداد بعينها التي رحلت عنها قبل أكثر
من ربع قرن وقد عدت إليها من تلك الناحية الشمالية التي لم أكن رأيتها من قبل إلا
مرّة واحدة، عندما اصطحبتني جدتي معها لزيارة ولدها المتهم آنذاك في العام 1963
بالمشاركة في محاولة انقلاب.
لم يكن هناك ما يشير إلى أن هذه المدينة هي بغداد نفسها،
وجه من الطين مسمتسلم وحزين، وأرتال أمريكية طينية الملامح أيضاً اصطفت على الطريق
السريع، مشرعة الأسلحة،
تتطلع بتوتر وذعر إلى القادمين. هذه هي بغداد إذن، رمادية الوجه، مستكينة،
متطامنة. فهل كانت هكذا دوماً كالحة رمادية في مطلع الربيع، دون أن أشعر بهامن
قبل، أم أن بغداد التي عرفتها زماناً قد اندثرت تماماً ولم يبق منها الآن سوى أطيافها وأطلالها؟
كانت هذه المرّة الأولى التي أرى فيها جندياً أمريكياً
مصوباً مسدسه في اتجاهي
دون أن أعلم كيف عليّ أن أتصرف. يجب أن لا أخفي هنا بأنني كنت من أشد
المؤيدين للتدخل الأمريكي
بغية الإطاحة بصدام ونظام البعث، بيد أن توقعاتي، أو آمالي في أوضاع أفضل مما كانت
عليه في عهد صدام، تبددت منذ شهور وحل محلها اليأس.
ومن بعيد، وفي مدخل "المنصور"،عند "معرض الزهور"، لمحت أخي ينتظر إلى جانب خالي وشخص آخر لم أتبين درجة
قرابته.
لا أعرف كم استغرق العناق، وحاولت أن احتفظ بشيء من
التماسك، لكنني ربما سأندم
على ذلك فيما بعد، إذ أن قطرة واحدة من الدمع ربما ستعينني على تلمس الدرب
ساعة الشدّة؛ فهل
نضبت بئر الأحزان هذه التي خلتها تفيض في أعماقي.
كان الوقت غروباً وكنت منفعلاً وغريباً وثمة مسافة طويلة
مازالت تفصلني عن أهلي
وأحبتي. ففكرت في أترك لهم أمر التصرّف بي وبوقتي، إذ لم يعد أمامي ما يمكن
أن أفعله سوى الصمت
والإصغاء. لقد جئت إلى هنا من أجلهم هم، وليس انصياعاً لحنين استعرت ناره ستةً وعشرين عاماً. هؤلاء هم الأهل والوطن
وحلم الوصول.

نعم الوطن! في الطرف الأخير من المدينة الأفقية العملاقة
التي تقلبت به الأزمان
والأسماء، لكنه بقي مهملاً، منسياً، متداعياً، مرشحاً كلّ مرّة للقتل
والتقتيل، إنها مدينة
الثورة، فمدينة صدام، فالصدر، وكل اسم جديد يلغي ما قبله من الأسماء لم يزد المدينة-القرية إلا فقراً وعوزاً، ولم
يكن إلا نيراً من العبودية والاضطهاد؛ أسماء لم تكن أكثر من إكراه سياسي لا مسوغ له سوى
الإمعان في امتهان كرامة
الناس الممتهنة أصلاً. لم يكن من حقّ أحد الاعتراض عندما أطلق على الخرائب
المعزولة اسم "مدينة الثورة" التي اقتطعها الجنرال عبد الكريم قاسم من الصحراء ليبعد بها السكان الفقراء المؤيدين له عن مركز
المدينة حيث كانوا يقيمون، فمارس ضدهم سياسة عزل وفصل يكاد يكون عنصرياً، بغية إبعاد أولئك
الذين من المحتمل أن يتحولوا
إلى مصدر خطر يهدد "الجمهورية الوليدة"،
الكذبة الوليدة التي طبخت على نيران مشبوهة، وجعلت العراق منذ تلك اللحظة
المشئومة، لحظة الرابع عشر من تمّوز، مسرحاً للتآمر والمجازر التي أتت على الآلاف،
بل الملايين من مواطنيه، لتنتهي باحتلال أمريكي-بريطاني، لا هم له سوى إطفاء آخر
ومضة من تلك الروح العراقية
المحتضرة. هذا هو العراق، هذا ما تبقى منه، وهذه هي نهاية اللعبة الكبرى،
الكذبة الكبرى. لقد
انتهى كل شيء. فكم غريباً أن أتوصل إلى هذه الحقيقة القاطعة في اليوم الأوّل من دخولي إلى البلد الجائع والمحاصر
والمهان.
* * *
ثم احتشدت الوجوه القريبة متدافعة مبتهجة، متلهفةً
لمعرفة فيما إذا كان هذا الغريب مازال يحتفظ بملامحها بعد أعوام الفراق كلّها. وكم
كانت السعادة تغمر الوجه الذي طبعت آثاره في مخيلتي، فثمة نظرة قديمة مرحة، وفجوة
بين الأسنان، قد اتسعت الآن، وثمة خال؛ علامات عليك أن تقرأها من جديد. وثمة آباء
فقدوا أبناءهم وأمهات ثكلى ونساء أعدم أزواجهن، رجال فقد البعض منهم بصره أو طرفاً
من أطرافه في الحرب أو
بفعل التعذيب؛ هؤلاء كلهم التقيت بهم وعانقتهم وتحدثت معهم وأصغيت إليهم
طويلاً. كان لكلّ واحد
منهم قصّة، وأحياناً تتقاطع إحداها مع وقائع القصص الأخرى فتكملها، وتثبت صحتها وتعمق مغزاها، وكان عليّ أن أصبر
طوال الليل، لكي أصغي إلى قصص الموت والدمار الذي حلّ بالناس، بأهلي وأحبتي. وكيف
لي أن أتوقع شيئاً آخر غير هذه الأحاديث؟ فهذه سكينة، ابنة الخال، وقد اعتقل زوجها
بتهمة الانتماء إلى "حزب الدعوة الإسلامية" في مطلع الثمانينات ثم أعدم ولم يتسلم أحد جثمانه. غير أن صدام وأعوانه لم يكتفوا بقتل الذي لم
يتجاوز الخامسة والعشرين، إنما اعدموا شقيقة الذي لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره،
هكذا لمجرد الشبهة. ويبدو أن هذه الجريمة المروعة لم تستأثر باهتمام الحكّام
الجدد، فمازالت الأرملة تقدم العريضة تلو الأخرى لإعادة الاعتبار إلى الزوج القتيل، بل
الشهيد بالقاموس السياسي العراقي، دون أن تعني هذه الشهادة الكثير بالطبع، مادام
العراقيون كلهم شهداء، أو مشروع شهادة لا ينتهي. لقد ضاعت القيم وماتت الضمائر، هكذا
شكت لي سكينة، فقلت لها إنه
الليل الأمريكي أو الذيل الأمريكي الطويل، فاصبري!
إذا كان هذا هو حال زوجة الشهيد، فما الذي أقوله عن نفسي،
أنا المنفي، الذي عاد
بكل بداهة إلى أهله وبلده بعد أن أحرقته جمرة الفراق مثلما أحرقت الكثيرين
غيره؟ فما الذي يميّز هذا العائد عن أولئك المنفيين الداخليين القابعين بين جدران
بيوتهم في العراق نفسه ينتظرون الموت ساعة إثر ساعة؟ بلا شك أن الأعوام ذهبت سدى،
وهذه هي الصدمة
الأولى ليس إلا؛ إنها لحظة الفراق وقد أتت بعدها لحظة العناق، وثمة لا شيء بينهما.
كنت على علم بأن أعوامي وأوهامي ومخاوفي ومشاغلي اليومية
بالشأن العراقي التي وصلت أحياناً
إلى حدّ الجنون، استحالت كلّها إلى شيء عضوي أضيف إلى بدني؛ فأنا صاحب الشأن وصاحب
الألم وأنا الذي سيتحمل وحده العاقبة في آخر المطاف. وهل كنت أطلب مجازاة أو ثمناً
لقرار فرديّ اتخذته بنفسي وتآلفت معه؟ ليس هناك من ثمن ولا مجازاة، إنه جبل الآلام وجبل من العظام، وما من
أحد سواك سيحمل وزرهما.
في المساء المتأخر قصّ عليّ ابن خالتي "عسلة"
طرفةً ليبدد شيئاً من قلقي ويسهل عليّ النوم. النوم؟ وهل سأنام
فعلاً، أم أن الأمر سيختلط علي مثلما يختلط الأمر على أرومي من سكّان أستراليا
الأصليين فجع بفقدان عزيز فلا يعرف أن كان ذلك حلماً أم حقيقة!
قال ابن الخالة: ذات نهار بارد، كنت أجلس على صخرة انتظر
زبوناً يشتري حديد الخردة،
فأقبل عليّ رجل أنيق برباط عنق وحقيبة دبلوماسية، وأخبرني بأنه وكيل
إعلانات رسميّ، وطلب مني
أن أشتري برقية تهنئة إلى صدام حسين بمناسبة نجاة ولده عدي من محاولة الاغتيال. فقلت للوكيل إنني من
الشهداء الأحياء، وقد فقدت عيني دفاعاً عن الوطن، وإنني لا أملك الآن إلا قطع الحديد الصدئة
التي تراها أمامك. فقال
الوكيل إن هناك إعلانات أقلّ كلفة بمقدار النصف، ثم أخذ يلح. فرفعت أمامه
دشداشتي وقلت له يا أخي
صدقني بأنني لا أملك شيئاً، وهذا السروال الداخلي هو لزوجتي، وقد ارتديته بسبب البرد. ومع ذلك فإن الوكيل لم
يقتنع، وأشار إلى بائع حديد
جلس إلى جانبي، فقلت له إن هذا المسكين لا يملك حتى سروال داخلي. فهذا هو
العراق العظيم، العراق
المهلهل، عراق صدام الذي شحّت سراويله، وعراق ما بعد صدام.
* * *

أطباق عديدة مليئة "بالقيمر"
العراقي والمربى والطرشي
واللحوم المشوية، كان هذا إفطار
الصباح. لقد أعدت شقيقتي العدة لكي تجعلني بديناً، لأنني لم أتناول في ألمانيا
طعاماً جيّداً حسب اعتقادها. ويبدو أن وجبة الإفطار هذه كانت مكافأة لانعدام النوم
من فرط التوتر والانفعال، وربما بسبب تلك المواعظ الليلية و "اللطميات"
التي جادت بها سمّاعات حسينية في الجوار. كنت قد رأيت هذه الحسينية العملاقة
المطلة على الشارع العام المؤدي إلى منطقة "كسرة وعطش"،حيث يقع بيتنا. وكانت عبارة
عن بناية بثلاثة طوابق مخصصة لحزب البعث الحاكم، لكنها لم تكتمل بعد، فأصبحت بعد سقوط النظام من حصة
جماعة إسلامية، لعلها جماعة
مقتدى الصدر. فوضعت يدها عليها وأقامت فوقها قبّةً خضراء غير متناسقة وبدت
كما لو أنها صنعت من
الورق المقوّى. ويظهر أن الوقت كان يلحّ على هذه الجماعة الإسلامية لتحيل مقر "حزب البعث" إلى حسينية تستوعب تلك الأعداد اللامتناهية من المصلين
الجدد الذي اكتشفوا فضيلة الدين مؤخراً بعدما جربوا الفضائل، وربما الرذائل أيضاً،
إبان نظام الطاغية صدام. أما الكلمة السحرية التي كانت تفسّر الكثير من غوامض الأمور ومجاهلها فهي كلمة "الحواسم"
المقتبسة عن "أمّ الحواسم"،
أي آخر الهزائم التي مني بها الجيش العراقي ونظام البعث. فقد حسم الكثير من العراقيين أمرهم، وعلى وجه
السرعة، فحولوا ممتلكات الدولة وسرقات النظام إلى غنائم وأسلاب. وانتقلت مقومات
الدولة وأسسها إلى حالة من السيولة النقدية التي دخلت جيوب المواطنين الجياع والمتخمين
على السواء. وهكذا صُفّيت
ممتلكات الوطن ومُزّق جسده بلا رحمة ودون وازع مثلما تمزّق الذئاب الجائعة
حملاً وديعاً.
الحواسم، يا لها من عبارة مهولة لم تنطق بها حتى أشد القبائل العربية فتكاً؛ ويالها من عبارة ماضية نمّت عن عبقرية
شعب بأسره؛ شعب يمارس الانتحار الجماعي علناً وبإصرار.
كان الإفطار دسماً وشعرت بشيء من الانتفاخ ولاحظت بأن أخي
كان يطيل التحديق فيّ
وكأنه ينفّذ أمراً أصدرته شقيقتي الكبرى يتعلّق بمراقبة عملية إطعامي
إطعاماً صحيحاً. كان وجهه في
الواقع متجهماً، مهموماً، وكان نادراً ما تنفرج شفتاه عن ابتسامة.
سألته عن عمله فأجاب على الفور بأنه يبحث عن عمل منذ سقوط
النظام، وأنه كان ينتظر
قدومي، فربما أسهّل عليه عملية البحث عن عمل مناسب. كان يعتقد بأن لي
علاقات مع أصحاب السلطة
الجديدة المؤقتة، ولم يكن يعلم بأنني معزول ومقطوع عن الأحزاب منذ عشرات الاعوام ،
بسبب شكوكي في مبادئها وبرامجها وطبيعة نشاطها.
قال إن هناك وسيلتين للعثور على عمل في العراق،
الأولى هي القرب من مواقع السلطة الأمريكية وممثليها من العراقيين، بمعنى أنك يجب أن
تحظى بتزكية أحد الأحزاب
المتعاونة مع قوّات التحالف، أو، وهذا هو أكثر الحلول سهولةً، أن تقدم رشوة
مناسبة لأصحاب الشأن. ثم قصّ عليّ حكاية المستخدمين الأربعمئة الذين التحقوا
بوزارة الصحّة بعد أن
سدد كلّ واحد منهم مبلغ 250 ألف دينار عراقي، أي ما يعادل مئة وثمانين دولاراً. وأضاف معلقاً بأن الأمر بات
أسوأ بما لا يطاق مما كان عليه في زمن البعث. وسواء أن تعلّق الأمر بتنظيف المجاري
أو رفع القاذورات أو تصليح خطّ التلفونات فلابد من دفع الرشوة التي بدونها لا يتحقق شيء. ولكي
يثبت لي صحّة ادعائه اقترح عليّ أن
أرافقه في جولة.
لقد فقدت عبارة "الصدمة"
معناها كليّاً في عراق
اليوم، فمن الممكن نظرياً أن تكون
عميلاً مباشراً لسلطة الاحتلال، ووطنياً في آن واحد. هذا هو على سبيل المثال وضع "مجلس الحكم المؤقت".
لا شيء في مراكز بغداد التجارية سوى الفوضى والضجيج
والدخان الكثيف وأكوام الأزبال وصراخ الباعة الثابتين والجوالين الذين وضعوا عرباتهم
في منتصف الشوارع والساحات . ثمة صفارات شرطة لم يلتزم بها أحد، لكن الغريب في
الأمر هو أن مفرزة الشرطة
الصغيرة التي تنظم السير في "ساحة التحرير" بدت في مزاج رائق؛ لأنها ربما اعتادت على مشهد
الفوضى والرشوة التي يمكن أن تتمخض عنها هذه الفوضى المطلقة. ولأن الواقع في العراق لم يعد يحتمل الجدّ فقد
تقدم أبن عمتي الذي كان يرافقنا من ضابط السير الذي كان يحمل رتبة مقدم وخاطبني:
استمع إلى ما سيقوله السيّد
المقدم. وبعدما تبادل القريب بضع كلمات مع ضابط المرور ثم صافحه مودعاً قال
المقدم: كم دينار يرحم
والديك، فلوس غداء!
إذا كانت هذه لغة ضابط كبير في الشرطة العراقية الجديدة
وفي أهم ساحة عراقية وأكثرها شهرة،
فكيف سيكون سلوك شرطي الأمن في عراق المستقبل! في زمن صدام كانت عقوبة الإعدام تنفّذ أحياناً على من استلم
الرشوة، على الرغم من أن صدام وأعوانه كانوا يمارسون أسلوب الرشوة علناً وعلى رؤوس
الأشهاد. لكن الآن وبعد غياب نظام البعث الذي خلّف وراءه ضمائر مريضة أو ميتة أصبحت
الرشوة سلوكاً يومياً طبيعياً.
وفي مساء اليوم ذاته ذهبنا إلى زيارة مريض رقد في مستشفى "مدينة الطب"
الذي طوّقه رجال
مسلحون، لأنه يعتبر هدفاً سهلاً للإرهابيين الذي لا يعرف احد الجهة التي تقف
وراءهم، لذلك لم يبق أمام الأمريكان وأعوانهم العراقيين إلا شمّاعة "القاعدة"
وأنصار صدام أو "أنصار الإسلام، وكأن هذا الذي سمعنا به أو رأيناه بأمّ أعيينا لم يكن إرهاباً:
الاعتقال العشوائي والقتل
العمد والتعذيب حتى الموت وإطلاق الرصاص على ممثلي الصحافة والجريمة
المنظمة التي تشرف عليها بعض الأحزاب المشاركة في مجلس الحكم، هذه كلها مجرد شواهد
صغيرة على ما سيئول
إليه مصير العراق برمته. حتى تلك اللافتات والصور التي تمثّل رجال دين، ولا شيء غيرهم، كما لو أن العراق كان مجرد
مؤسسة دينية ليس إلا، حتى هذه الصور كانت بمثابة إرهاب مسلط على المرضى وعلى
مستخدمي المستشفيات. ثمة عشرة أشخاص على الأقل، بعضهم كان مسلّحاً، جلسوا في مدخل
المستشفى وقد بان على مظهرهم انتماؤهم الديني أو في الحقيقية انتماؤهم الطائفي، الثياب
السوداء والأشرطة الخضراء.. وما أن دخلنا حتى سألنا "موظفو"
الاستقبال إن كنّا قد
أتينا لهم بهدية. ويبدو أن
الهدية، النقدية على الأغلب، هي ضريبة روتينية تفرض على الزائر وإن كان مريضه
محتضراً. ورغم أننا دخلنا إلى صالة الإنعاش، أو العناية المركزة،المجهّزة حسبما
قيل لنا بأحدث المعدات الطبيّة، فإننا رأينا القذارة في كلّ مكان، في الأرض وعلى الأسرّة والطاولات، وثمة
أسراب من الحشرات تقاسم المرضى غرفة إنعاشهم. وكان هناك من أبلغنا بأن "الرعاية الصحيّة" قد تحسنت بما لا يقاس مقارنةً بما كانت عليه أيّام نظام البعث؛ إذ أن
غرفاً كهذه كانت آنذاك وقفاً
على رجال النظام. إنه مستشفى حكومي عام، بيد أنه أتخذ الآن معالم حسينية
ضخمة بطوابق كثيرة
ومصاعد كهربائية، وقد بات التفريق صعباً فيما كان هذا الذي ينتحب خلف الجدار قد فقد عزيزاً للتو، أم أنه يبكي
مصاب الإمام الحسين.
* * *
كنت توّاقاً إلى يوم الجمعة، لأنه اليوم الذي يجتمع فيه
الأدباء في مقهى الشاهبندر
وشارع المتنبي، حيث العشرات من المكتبات التي لم أر وجوداً مشابهاً لها
بهذه الكثافة في أي
عاصمة عربية رأيتها من قبل، لا في القاهرة ولا في بيروت أو دمشق أو تونس أو
الرباط. إضافة إلى عدد لا يحصى من الباعة المؤقتين الذين عرضوا كتبهم في الشارع الضيّق نفسه. كتب متربة ممزقة وأخرى
جديدة زهيدة الثمن، لأنها طبعت بصورة لا شرعية في إيران أو في أماكن أخرى. كان هناك
تضخّم في العرض، ويبدو أن
القوّة الشرائية للعراقيين لم تستعد عافيتها بعد، أو أن ما رايته كان
زهيداً من وجهة نظر عراقي مقيم
في ألمانيا وباهظاً من وجهة القارئ العراقي. أربعة دولارات، على سبيل المثال، دفعتها ثمناً لكتاب إسحاق نقّاش
عن "شيعة العراق"، وعندما دققت النظر وجدت أن اسم المترجم قد أسقط وأن هذه
الطبعة صدرت عن "انتشارات المكتبة الحيدرية" في مطبعة "أمير-قم" الإيرانية، أي أنها طبعة غير شرعية صدرت بموافقة الحكومة الإسلامية
في إيران، أو أن هذه الحكومة
لم تكن مهتمة البتة بالجهود الفكرية للآخرين ولا بحقوقهم.
هذه هي بغداد القديمة التي طالما حلمت بها وحاولت استعادة
تفاصيلها؛ هاهي ماثلة
أمامي اليوم وقد ازدادت قدماً تحت وهج الظهيرة الساكنة. إنه التراب نفسه
وصرخ الباعة والألفة
والمنازل المتداعية التي لم تمتد لها يد الإصلاح منذ كانت هذه الناحية العتيدة
مركزاً للحكم ودار إقامة للولاة العثمانيين؛ هذه هي المدينة الخرافية الأسطورية المنيعة المستباحة التي طالما وطأتها
أقدام الغزاة والطامعين والعشّاق والشعراء منذ أبد الدهر، ومازالت تطأها إلى هذه
الساعة.
وفي نهاية الشارع احتشد كتّاب العراق الجديد-القديم
وصحفيوه، وحين تمعنت في الوجوه المترقبة المستبشرة لم أر من كان يتطلّع إليّ، أو من
أوحى لي بأنه ربما كان قد رآني من قبل. وبعد فترة طويلة أقبل عليّ رجل ملتح امتلأ
وجهه بالكدمات وبقايا الجروح, وكانت ثيابه مثقوبة في مواضع عديدة كما لو أنه أطفأ
فيها سجائره، ووقف أمامي
وأخذ يتطلع إليّ ثم نطق باسمي الذي لم أكن قد عرفت به كاتباً "حسين ابن علك ابن علي؟" نعم؟ هذا هو هادي السيّد حرز، صديق صباي؛ هذا الفتى الذي
كان وسيماً موهوباً شديد
الذكاء، أصبح الآن مشرداً مدمناً لا مأوى له سوى الشوارع. لم يبلغه أحد بوجودي ولم
أفصح له بشيء عن هويتي، لكنني عرفته أيضاً. رأيت الدمع يترقق من مآقيه ويخضب لحيته غير المشذبة، والذكاء مازال
يشعّ من عينيه الصغيرتين اليقظتين. "ثمّة طائر آخر يعود"،
هكذا أنشد، لكن الطائر يا عزيزي جاء محبطاً مهيض الجناح، ثم أخذته في الأحضان. لم أساله ما الذي
حلّ به، هذا الصاحب المتوقد
الذهن. فكم كنت أزوره في البيت وأصغي إلى حكايات أبيه الذي أورثه روح النكتة والطرفة والموهبة. كان أبوه قد قصّ علينا ذات مرّة
كيف أنه كان من أوائل المنتسبين لحزب "البعث"، وكيف أنه كوفئ بمنـزل عقب
انقلاب تموز 1968 ، لكنه
وجد المنـزل مأهولاً. كانت ثمة عائلة كردية كبيرة، وعرف فيما بعد بأن الحزب
كان يعلم بذلك، ثم
أخذ يضرب لنا الأمثال عن الطبيعة التآمرية لحزب البعث وعن الخوف المتأصل في نفوس العراقيين. كان ذلك قبل حوالي ثلاثين
عاماً، والآن هاهو ابنه الفنّان يفترش الطرقات معوزاً متسولاً. قال إن الأمر انتهى به
إلى الشارع منذ ثمانية
عشر عاماً، بعدما انفضّ عنه الأهل والأصدقاء. فهل رأيت هاني وهم وحسين
علاوي وعلى مغامس وحسن
عاتي وسيف الدين قاطع وداود سالم وكريم العراقي؟ لكنني لم التق بهؤلاء بعد، وشعرت
بفرح داخلي بأن هؤلاء كلّهم مازالوا أحياءً. ثم أشار هادي إلى مدخل "سوق السراي"،حيث انتصبت كرة
أرضية فوق طاولة محل لبيع القرطاسية وقال إن العراق لا يحتل من هذه الكرة سوى ظفر صغير،
لكنه يحتوي الآن على مئة
وخمسين حزباً وعلى مئتين وإحدى عشرة جريدة. ففي الزمن البائد كانت هناك
ثلاث أو أربع جرائد تثير
القرف، وأخذنا بمرور الوقت لا نشعر بوجودها، أما اليوم فقد بدأنا نشعر بالغثيان
والاختناق من هذا الكمّ الهائل. إنها جرائد إذا ما أمسك المرء بواحدة منها يشعر من فرط نتانتها بأن يده لن تتطهر حتى
شطفها بماء النار. أحزاب وشخصيات تتهافت كلّها لكي تخدم الأجنبي لقاء أجر، رؤساء تحرير
صحف يطوفون على قوّات
الاحتلال بغية الحصول على إعلانات. وقال لي أنظر إلى هذا الشاعر على سبيل
المثال الذي جعل نفسه ذات يوم متحدثاً بلسان أدباء العراق. لقد كان يجلس معنا إلى
طاولة واحدة ويحتسي
الخمر مثلنا وينشد أناشيدنا ثم يتقيأ مثلنا. غير أنه اليوم أصبح ممثلاً لإحدى التنظيمات الدينية، وحالما ينتهي
من تلاوة قصائده تختم جلسته بعزاء أو لطمية. هذا هو العراق الديمقراطي الجديد،
ديمقراطية أن تكون خائناً هكذا على رؤوس الأشهاد، ومادام الكثير يمارس دور الخيانة
فما الضير أن تجد لك ملاذاً ورزقاً لدى حزب أو تنظيم. قال إنه كان يلقى القبض عليه في
زمن البعث، لكنه يضرب في المعتقل، أما الآن فإنه يضرب في الشارع نفسه أمام أعين الناس. "ثمّة جماعات تعتقد أن من واجبها الديني أن تضربني أنا المتشرد المدمن.
إنهم يريدون مجتمعاً نظيفاً
وهم يجلسون في متصف القذارة."
وشيئاً فشيئاً أخذت عيناي تألفان المكان، وفجأة وثب عليّ شخص
ما وطبع بضع قبلات سريعة ثم سألني
هل تتذكر رحلتنا إلى البصرة حالمين بالهرب من العراق عن طريق السفن؟ متى حدث ذلك؟ قبل سبعة أو ثمانية عشر عاماً؟ لم
أعد أتذكر جيداً لكننا سكرنا
آنذاك في بار، لعله بار ماريا في الشارع الجمهوري، وجلسنا على "العشّار"
نفكر في الرحيل. أنا داود سالم، أتتذكرني؟ نعم أتذكرك؛ ومن كان ذلك الرجل الذي
أوشكنا أن نتشاجر معه؟ كان زوج شقيقتي. آها. هنا لاحظت بأن خيط الذكرى قد انقطع
وأدرك داود بأن عليه أن يواصل حديثه مع الآخرين، فبدا معهم أكثر حيوية خفّة. وثمّة
قاص كان قد دخل قبل ثلاثين عاماً في دورة لنوّاب الضباط، لكنه أصبح محامياً وقاصاّ فيما بعد. الآن فقط صرت أتذكر
صوته الرفيع المبحوح؛ نعم إنه حسن عاتي الذي كان أبوه يحدثنا عن "بئر زمزم" ساخراً منّا ومن مشاغلنا وكتبنا آنذاك. لقد قرر الأب أن يدخل ولده إلى مصنع الأبطال
أو أنصافهم؛ بيد أن البطل
شارف اليوم على الخمسين أو تجاوزها، وبدا أكثر صغراً، لكن صوته مازال يحتفظ
بدفئه القديم. وكم
فرحت بعدما عرفت بأنه صار يكتب القصص وينشرها. إذن إن أعوام الجندية والحرب لم تذهب كلها سدى.
إلا أن أصحابي القدماء لم يسمعوا باسمي الذي عرفت به
كاتباً وربما قرأوا شيئاً
لي وصلهم عبر طريق ما، وعدا عن ذلك فإن القطيعة بيننا كانت خالية من الرحمة
حقّاً.
* * *
اليوم جاء أبناء العمومة، عشرون ابن عم وأبناؤهم وأحفادهم
ونسائهم، جاءوا ليستطلعوا
أمر هذا الغريب المبعد الذي قاده الحنين من عنقه كالعبد. كان المشهد
بالنسبة لي يشبه الورطة
أو الامتحان، فهؤلاء كلهم من لحمي ودمي وهم مستعدون ربما أن يقدموا الكثير من أجلي، لكنني لا أعرفهم، وكان
أكثر الناس قرباً لي من بينهم هو ذاك الذي التقيت به ثلاث أو أربع مرّات في حياتي كلّها
ولم أعد أتعرّف عليه الآن إلا بمشقّة. كان أغلبهم صامتاً مطرقاً، لعلّه كان يفكّر
في سؤال صحيح خال من التعقيد، لا يجلب عليه سخرية الآخرين. وهكذا طال الصمت، وبدا
كما لو أنهم جاءوا ليودعونني, هؤلاء أبناء الأعمام القادمون من أطراف الأهوار
والمدن. وبعد فترات تأمل
كانت بعض الأسئلة الصغيرة المترددة تنطلق من أكبرهم سنّاً: هل ألمانيا تقع
بالقرب من مكّة؟ هل
فيها شاي وسكّر؟ وهل يغسل الميت ويكفّن كما هو الحال عندنا؟ ومن أي ملّة أو عشيرة زوجتك؟ أهي ألمانية؟ وهل
علمتها الصلاة؟ كلا، إنها مازالت على دينها ولم تدخل في دين الفطرة. يا للعجب! وهل يتكلم
أبناؤك اللغة العربية؟ إنهم يتكلمون الألمانية فقط. أوووه! لاشكّ أنهم سيضيعون.
وهل في ألمانيا نفط مثلما موجود في العراق. كلا، الحمد لله! والغاز؟ وهل تنقطع
الكهرباء، يلفظونها "الكرهبة"، في ألمانيا؟ ما هي المهنة التي تمارسها؟ كاتب! كاتب عرائض أم ماذا؟ شيء من هذا
القبيل. هل الألمان يختلفون
عنّا؟ كلا ليس هناك اختلاف، إنهم بشر مثلنا، ربما يفكرون أكثر منّا قليلاً؛ هذا كل شيء. ولماذا نشغل أنفسنا في التفكير،
وما الذي استفدناه من التفكير سوى حرق الأعصاب! سنرى ما تفعله أمريكا بنا. اللهم أجعله
خيراً.
وفي الغرفة التي اجتمعت فيها النساء، نساء أبناء العمومة وأبنائهم، رأيت الوجوه الموشومة المتشابهة، مثلما الأسئلة، لكنها ربما طُرحت هنا بصورة أكثر صدقاً. هل تريد العودة إلى العراق وتتزوج امرأة من بنات جلدتك؟ كاظم ابن ابن عمّك تزوّج قبل شهر للمرّة الرابعة. وهكذا مضت نصف ساعة من العروض والإغراءات. وبعد انتهاء اللقاء علّق أخي قائلاً إذا أردت أن ترحم بالمرأة فزوّجها إلى أحد أبناء "الناصرية